التبركيك ثرات شعبي يعيش حتى الأزل

سمية اجواو: “التبركيك” أو “الحضية”أو”مراقبة الآخر”أو”الفضول المزعج”، مصطلحات متعددة لكن معناها واحد، هي أفعال شنيعة لا يسلم منها أي شخص، فكل ما يفعله الإنسان وكيفما كانت تصرفااته إلا و يجد عيونا تلاحقه بغية معرفة أخباره بدافع الفضول ونشرها في الجلسات، وقد تكون في الكثير من الأحيان مستفزة ومزعجة إلى حد كبير وصلت إلى اعتباره يدخل في الثرات المغربي يصعب على الكثيرين العيش بدونه ، وأصبح حالة مرضية عند البعض ونمط عيش يومي وهواية عند البعض الآخر. فهل ظاهرة التبركيك حالة مرضية؟ هل تدخل في الثرات المغربي يكتسبها الأفراد من أسرهم ومجتمعهم؟أم أن قلة الوعي والفراغ السبب المباشر في استفحالها؟

                             التبركيك عدوى انتقلت من الأشخاص إلى الفيسبوك

لم تعد ظاهرة “التبركيك” مجرد أخبار تنتقل عن طريق الجلسات فقط، وإنما تطورت وأصبحت له صفحة على الفيسبوك لتصبح من مجرد تلقي الخبر إلى توسيعه على اكبر عدد من الأشخاص قد يكون خاطئا في الكثير من الأحيان. ولم تعد مقتصرة فقط على النساء والتلاميذ بل انتقلت إلى الرجال أيضا، حيث تمتلئ المقاهي بمن يعشقون مراقبة الآخرين وجلوسهم لم يعد من أجل تمضية وقت استرخاء مع الأصدقاء وشرب القهوة فحسب بل تعدى ذلك وأصبح من أجل مراقبة البنات والنساء وما ترتديه من ملابس، وقد تصل بهم الجرأة إلى التفوه بأشياء قد لا تكون صحيحة، هذا ما أشار إليه أستاذ في التربية البدينة حين قال إنه عندما يجلس في المقهى مع أصدقائه أو أشخاص يعرفهم، فإن البعض منهم لا يترددون في التلفظ بكلام قد لا يكون صحيحا كلما مرت امرأة أو فتاة بجانبهم، كأن يقولوا مثلا أن أحدهم كانت تربطه علاقة عاطفية معها وقد يكون غير صادقا في كلامه فقط لأنه كان قد طلب منها التعارف وهي رفضت إذن ما يدور في عقله في تلك اللحظة هو الانتقام منها وقول كلام باطل عليها, حسب تعبيره.

و وصلت ظاهرة التبركيك وترسخت لدى المراهقين أيضا واستفحلت بشكل خطير في غياب وعي لدى العديد من الأوساط بما فيها الميسورة ماديا وفكريا، فهي لا تقتصر فقط على وسط اجتماعي ضعيف المستوى وذلك بفعل الغزو الطاعوني لوسائل الاتصال خاصة “الفيس بوك” الذي يعد حاليا وسيلة سوسيولوجية وتواصلية داخل الأسر ومساعدة لترسيخ الظاهرة خصوصا لدى المراهقين والفئات أقل معرفة.

التبركيك ظاهرة مرتبطة بالمجتمع حتى المتحضر

من جهته يعتبر محمد (موظف في شركة الأسفار) أن الجلوس في المقاهي ووقت الفراغ هما مصدران  للتبركيك عند الكثيرين، مضيفا أن الظاهرة مرتبطة بالمجتمع قد تختلف من مجتمع لآخر لكنها موجودة في كل مكان. ويواصل قائلا” قد لا تظهر هذه الظاهرة في المجتمعات المتحضرة عكس مجتمعنا العربي حيث تكون بشكل فاضح”، مشيرا في السياق ذاته أن هؤلاء تكون لديهم الرغبة الجامحة في أن يكونوا هم السباقين في معرفة الخبر ونشره، الخطير في الأمر يكونوا السبب في فضح البعض خاصة البنات حسب قوله.

ويقول يونس(تقني في الإعلاميات) إن الفراغ الذي يعيشه البعض يجعلهم لا يفكرون سوى في الآخرين وأخبارهم، فلو عرفوا كيف يستفيدون من وقتهم الفارغ لما كان لديهم الوقت في مراقبة الناس.

في حين تعتبر أسماء (موظفة) أنها ظاهرة طبيعية تكتسب منذ الطفولة، ورثها الأشخاص الممارسين لهذه الطاهرة من أهاليهم ليصبح طبعا تطبع عليه وقد يشب عليه، وتضيف من جانب آخر أنه قد يكون مرضا ومعرفة الأخبار بالنسبة لهم يعتبرونها “شطارة”.

ومن جانبها تقول وسيلة (صحفية) إنها تعيش حالة “التبركيك” كل يوم في عملها وخارجه مشيرة إلى أنها تعاني من ذلك إلا أنها ترد بلا مبالاة، مضيفة، أنها تعرف العديد من الأشخاص الذين ليس لديهم ما يفعلون وشغلهم الشاغل هو مراقبة الآخرين أين ذهبوا؟هل تزوجوا؟هل أنجبوا؟

من جهته، يشير سعد(عامل بالخارج) إلى أن النساء هن أكثر المخلوقات اللاتي تراقبن الآخرين وتتدخلن فيما لا يعنيهن، مضيفا أن الظاهرة تدخل في الثرات المغربي إذا لم تكن فلن نكون مغاربة حسب قوله.

التبركيك حالة مرضية تنخر جسد المجتمع

ومن جانبه يعتبر علم الاجتماع ظاهرة التبركيك حالة مرضية ترد إلى صفات خاصة بالتنظيم الاجتماعي وصراع الطبقات ومدى وعي الناس الذي يتحدد بناء على المستويات المادية، مضيفا أنه يرجع أيضا إلى ما تلقاه البركاك من سلوك وممارسات وتربية داخل أسرته ومحيطه الاجتماعي. وتنشأ هذه الظاهرة وفقا لما قاله علم الاجتماع، في المجتمعات التي تعاني الفراغ والندرة المعرفية والإقصاء الاجتماعي الذي لا ينتج سوى سلوكيات بشرية شاذة ومقلقة.

يتضح أن “التبركيك” ظاهرة مرسخة في عقول المجتمعات البشرية رغبة في حب الاستطلاع والفضول وملئ الفراغ الهدف منه الوصول إلى الأخبار لمجرد المعرفة ونشرها في الكثير من الأحيان، والمجتمع الوجدي لا يخلو من هذه الظاهرة وهي رصد تصرفات الأفراد وسلوكياتهم ومظاهرهم ومالديهم في حياتهم الشخصية والحميمية.

Almasdar: Hadath