من أدخل الدعارة إلى المغرب ؟ تاريخ و نشْأة الدعارة في المغرب

بوربيزا محمد

كان الغزاة كلما تمت لهم السيطرة على منطقة إلا وفتحوا فيها وكرا للدعارة وشجعوا الوسطاء على جمع النساء ومنحهن رخصة “العمل” بتعليمات من المارشال “ليوطي” باني أحياء الدعارة في مختلف المراكز الحضرية، وهو أيضا منظم “البغاء المتنقل” ويعني تجنيد العشرات من بنات الهوى للسير وراء قوافل الجيش الفرنسي المكلف بإخضاع القبائل المكافحة، تماما كما كان يفعل الغزاة أثناء الحروب الصليبية حيث يصحبون معهم البغايا راكبات وماشيات..

في سنة 1894 فتح نادي أنفا أبوابه بالدار البيضاء، وكان عبارة عن مرقص يضم فرنسيات، وفي نطاق التنافس دشن النادي الإسباني برامجه بمجموعة من الإسبانيات مغنيات وراقصات، وهكذا أدخل الرأسماليون الفرنسيون والإسبانيون إلى المغرب أشكالا جديدة من البغاء، وظهرت عادات وطقوس غير مألوفة في ميدان تسلية زبناء الجسد بالمغرب.

الدعارة إلى المغرب
وفي 18 مايو 1906م تكونت لجنة من ممثلي السفارات والقنصليات الموجودة بطنجة وقررت تطبيق القانون الفرنسي حول البغاء على المدينة المغربية وبدون استشارة أحد من المسؤولين المغاربة.

وفي يوم 5 غشت 1907م هاجمت البواخر الحربية الفرنسية والاسبانية مدينة الدار البيضاء وهدمت الجزء الأكبر من المدينة القديمة وخلفت قنابلها ألفا وخمسمائة قتيل(1) . ونزلت القوات الفرنسية إلى البر لتبدأ عدوانا مسلحا لن ينتهي إلى في 1934م، واتسعت دائرة المقاومة في الشاوية (2). وصار تشييد أحياء الدعارة موازيا لحملات الغزو بشكل يستجيب لإشباع الرغبة الجنسية لجنود الإحتلال. وفي هذا الإطار قام المدعو “بروسبير” ببناء أول مركز للبغاء بالدار البيضاء ويسميه المغاربة “بوسبير” وتتوفر فيه مواصفات دور الدعارة الموجودة بفرنسا، وكان معظم زبنائه من العسكريين الفرنسيين. وفي سنة 1908م نشأ “إيدن كونسير” وهو مرقص خاص بالضباط وكبار الموظفين، وتقدم فيه حسنوات فرنسيات عروضا عاريةStrip-tease وكن يطلبن مبالغ كبيرة يؤديها بسخاء رؤساء العسكر المكبوتون .(3)

الدعارة إلى المغرب
وفي نفس السنة اشتهر مقهى التجار “Negociants” في الطريق المؤدي إلى الميناء، وكان الأوربيون يتسابقون إلى أخذ أماكنهم في الهواء الطلق ليتفرجوا على مفاتن الأوربيات القلائل اللواتي جئن إلى المغرب لبناء مستقبلهن .(4) وكان الغزاة كلما تمت لهم السيطرة على منطقة إلا وفتحوا فيها وكرا للدعارة وشجعوا الوسطاء على جمع النساء ومنحهن رخصة “العمل” بتعليمات من المارشال “ليوطي” باني أحياء الدعارة في مختلف المراكز الحضرية، وهو أيضا منظم “البغاء المتنقل” ويعني تجنيد العشرات من بنات الهوى للسير وراء قوافل الجيش الفرنسي المكلف بإخضاع القبائل المكافحة، تماما كما كان يفعل الغزاة أثناء الحروب الصليبية حيث يصحبون معهم البغايا راكبات وماشيات. وكانت النساء المغربيات تخيمن بالقرب من الجنود وترافقهن طيلة السنة ما عدا في فصل الشتاء الذي يشتد فيه البرد في المناطق الجبلية وتتهاطل الأمطار ويتعذر التنقل بسهولة .(5)

الدعارة -المغرب وظل المارشال “ليوطي” وَفِيّا لنهج “نابليون” في تأسيس المواخير الرسمية وفي تطبيق القوانين المحقرة للمرأة والمقيدة لحريتها. واستخدم الجنود الفرنسيون الاغتصاب كأداة للانتقام وقهر القبائل المناهضة للاحتلال. فحينما انسحب المكافحون بقيادة الهيبة ماء العينين من مدينة تيزنيت في أكتوبر 1912م، دخلها الجيش الفرنسي وعبث بكرامة النساء وافتض الفتيات الصغيرات .(6) وكانت الوسائل التي استعملها المستعمرون “المتحضرون” متطابقة، فقد احتل الاسبانيون مدينة تطوان 1913م واغتصبوا النساء في بيوتهن .(7) وحينما تظاهر سكان قرية أيت سعيد في مايو 1951م احتجاجا على نهب أملاكهم من طرف القائد, تدخلت القوات الفرنسية وطوقت القبيلة واعتقلت الرجال وهاجم الجنود البيوت “وارتكبوا مع سيدات وفتيات القرية كل ما يمكن من فظائع” .(8) وانطلقت لدى ضباط الاستعمار غريزة اللذة من عُقالها المَرَضي, وكان الضابط “كوجي” رئيس بلدية مراكش سنة 1937م “طاغية أشيب مستهترا مولعا بهتك عفاف الأبكار.. وكان أحد مساعدي باشا المدينة يخطب مغربيات مسلمات, وفي ليلة الزفاف يسلمهن للفرنسي كوجي” .(9)
تاريخ و نشْأة الدعارة في المغرب

وكان الضابط الإسباني “بوميس” يحكم قبيلة بني بويحى بالريف في العشرينات ويرسل جواسيسه للبحث عن أجمل النساء في القبيلة، فيعتقل زوجها إذا كان لها زوج, ويحضر المرأة بمختلف الحيل, ولا يتردد أحيانا في قتل الزوج بدعوى الفرار من السجن. العربي الورياشي الكشف والبيان م.س.ص146. وكثيرا ما أخذ المستعمرون الفرنسيون والاسبانيون النساء كرهائن للضغط على الثوار ليوقفوا المقاومة, وحينما يخضع السكان يفرضون عليهم الإتيان بالنساء والبنات للرقص والغناء على شرف الغزاة المنتصرين .(10)

ونتيجة لذلك اشترطت قبائل آيت عطا وآيت وُنير في الجنوب سنة 1932م لكي تضع السلاح، بعد ربع قرن من المقاومة للاستعمار الفرنسي، أن لا تُرغم النساء على حضور السهرات الغنائية الراقصة التي ينظمها القياد الخونة احتفالا بضباط الاستعمار .(11) ولما نزل الجنود الأمريكيون يوم 8 نوفمبر 1942م في شواطئ المحمدية وآسفي والمهدية بالقرب من القنيطرة، انتقلوا إلى عدة مدن منها الدار البيضاء ومراكش وغيرها، واستغلوا ظروف الحرب وانعدام المواد الغذائية والفقر المدقع واعتقدوا أنهم في “أرض غزو وفتح كل ما فيها مباح لهم حتى أعراض النساء في الشارع” .(12) وذاعت في أوساط الشباب مفردات الجنس الأمريكية الهجينة، وشاعت ثقافة مضغ العلك وانتشر العازل الوقائي خاصة المستعمل منه. واصطدمت الخلاعة الفاضحة بالتقاليد المحافظة، واستسلم الفقراء لإغراءات الدولار، وداست أحذية العسكر على شرف المسحوقين. ولم يكن “مشهدا نادرا رؤية جثة عارية لأمريكي شاب في مرفأ كازابلانكا…وكان المقتول دائما مقيد اليدين والقدمين ومغطى بالكدمات والجراح وقد بترت أعضاؤه الجنسية.. إشارة صغيرة تعبر عن عدم محبة هذا الكافر الذي اغتصب النساء المسلمات” .(13) وبعد الحرب العالمية الثانية استقر الجنود الأمركيون في قواعد القنيطرة والنواصر وبن جرير بناحية مراكش باتفاق مع فرنسا وبدون استشارة المغرب واستفحلت التجارة في أعراض النساء اللواتي كن ضحايا للاستغلال الرأسمالي والجنسي. ففي مدينة الدار البيضاء كان ثلث اليد العاملة سنة 1944م من النساء يعملن بأجور جد متدنية، و15 ألف منهن خادمات في بيوت الأوربيين و8500 في النسيج ومعامل تصبير السمك، أي ما مجموعه 23.500 عاملة من مجموع العمال البالغ عددهم سبعين ألفا. (14)

الدعارة في المغرب وعاشت المرأة في باقي المدن الكبرى مثل مراكش وفاس ومكناس وآسفي والرباط ووجدة أوضاع مزرية، وتضاعف بناء أحياء البغاء التي تراكمت فيها آلاف النساء من كل الأعمال، وأصبح “بوسبير” بالدار البيضاء الذي كان فيه عام 1930م سبعمائة (700) امرأة، يأوي ثلاثة آلاف (3000) امرأة بعد توسيعه ليشمل المدينتين القديمة والجديدة. وتأسس جناحان واحد خاص بالأوربيات والثاني باليهوديات المغربيات، هذا فضلا عن الفنادق والشقق المفروشة.

وبالعاصمة الرباط تعددت المواخير وأشهرها “وقاصة” الذي يضم في الخمسينات أزيد من ألف امرأة بينما كان الفرنسيون يترددون على منازل خاصة بهم. وبمدينة مراكش شيد حي بكامله يسمى “عرصة موسى” يضم المئات من بائعات اللذة الرخيصة. وبداخل حي “الملاح” كان اليهود يمارسون علاقاتهم المحرمة. في حين استفرد الفرنسيون بمنازل في الحي الأوربي “جيليز”، وخصصوا ماخورا للجنود وسط الثكنات العسكرية التي كانت تحت الجبل في الطريق المؤدية إلى تاركا. وبمراكش جعل الباشا التهامي الجلاوي من أحياء المدينة الراقية مثل درب ضباشي والقصبة أوكارا للاتجار في الجسد، وكان عملاؤه يستقدمون بوسائل الإكراه أجمل الفتيات من القبائل الخاضعة لحكمة لكي يعزز بهن دور البغاء التابعة له. وأضحى “ميليارديرا” ينفق في مواخير باريس الأموال الباهظة ولا يقطب أبدا حاجبيه وهو ينظر إلى قائمة الحساب .(15) وفي سنة 1951م ترأس الباشا الجلاوي مجلس شركة “سفانكس” التي شيدت في المحمدية على بعد عشرين كيلومترا من الدار البيضاء أكبر ماخور في إفريقيا بتكلفة خمسمائة ألف دولار في ذلك الزمان، ويحتوي على عشرات الغرف المفروشة وقاعات للرقص وخمارات ونادي لعرض الأفلام الخليعة، وفي الطابق السفلي توجد مصحة للفحوص الطبية، وتتغير نزيلات الماخور الأوربيات مرة في الشهر ويتكون الزبناء من الجنود الأمريكيين المقيمين في القواعد العسكرية السالفة الذكر، ومن كبار الموظفين الفرنسيين مدنيين وعسكريين إضافة إلى الأغنياء المغاربة. ونظرا للحجم الكبير الذي بلغته الدعارة في المجتمع المغربي، قام السيد “جان سيل” المستشار في مجلس الاتحاد الفرنسي يوم 27 غشت 1953م بتقديم رسالة، باسم المجلس الوطني للمنظمات النسائية الفرنسية، إلى وزير الخارجية الفرنسي تطالب بمنع القوادة في إفريقيا الشمالية وخاصة بالمغرب .(16) وفضحت الرسالة البرلماني الفرنسي “فالوكز Falcoz” الذي يملك أسهما في بيوت الدعارة التي يشرف عليها الباشا الجلاوي. ورفع رئيس فرع منظمة حقوق الإنسان بالمغرب احتجاجا إلى الحكومة الفرنسية على السماح بفتح أماكن جديدة للاتجار في الرقيق الأبيض .(17) وكانت الإدارة الاستعمارية أصدرت تقنينا للبغاء بمرسوم 16 يبراير 1924م يسمح بفتح منازل رسمية ويحدد سن المرأة في 21 عاما وهو شرط لا يمكن تطبيقه على المغربيات بسبب انعدام الحالة المدنية وتعذر الحصول على بطاقة التعريف، وكان يكفي صاحب المنزل التصريح بأن المرأة تبلغ السن المطلوب أو تتجاوزه، وحينما اشتدت المقاومة المسلحة سنة 1954م غيرت الإدارة الفرنسية المرسوم بشكل يخفض سن رشد الفتاة إلى 16 عاما ويعطيها الحق في ممارسة البغاء وفي نفس الوقت خفف من العقوبة المتعلقة بالوسطاء. وهكذا شجع الاستعمار الدعارة وعمل على تعميم الانحلال الأخلاقي في أوساط الفئات الأكثر فقرا، وقصد بذلك إماتة الضمير الوطني والحس الاجتماعي وجعل منها أداة للتجسس وإلهاء قطاع واسع من فقراء الشعب عن الانخراط في النضال من أجل التحرر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وقد اضطرت المقاومة إلى القيام ببعض العمليات المحدودة للردع فقط، لأن من أراد القضاء على البغاء “فليعمل على تغيير النظام الاقتصادي القائم في البلاد”. علال الفاسي النقد الذاتي، ص:274.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- Gharles Andre Julien. Le Maroc…Op. Cit.P.73

[2] – مجموعة قبائل مستقرة بساحل المحيط بين الدار البيضاء وأم الربيع ومشرع بن عبو في مساحة 12.500 كلم مربع. وتعد من أغنى المناطق الفلاحية بالمغرب بالإضافة إلى المعامل الصناعية.

[3] – . Christian Houel mes aventures … op. Cit.P.143

[4] – Ibid,P,136

[5] – Georges r . Manue .sur les marches du Maroc insoumins,Paris .1930.P.137

[6] – Henry Dugerd, la conquête du Maroc ; la colonne du sous. paris.1918.p.101

[7] – أحمد البوعياشي, حرب التحرير ومراحل النضال 2/18, دار الأمل, طنجة 1975م.

[8] – حديث المغرب في المشرق ص 183، علال الفاسي، القاهرة 1956.

[9] – الإلغيات لمختار السوسي 1/12.., الدار البيضاء 1963.

[10] – Général Maurice Durosoy. Avec Lyautey. Homme de guerre. de paix.1976.P141.

[11] – Henry Dugerd,la Maroc de 1917. Paris.p.115

[12] – محمد حسن الوزاني مذكرات حياة وجهاد، 6/22.

[13] – بيرنهاردت, ج.هروود, تاريخ التعذيب. ترجمة ممدوح عدوان. دار الجندي للنشر. دمشق 1998 ص47.

[14] – Albert Ayache. le mouvement syndical au Maroc T2. la marocanisation 1943-1948 Casablanca Wallada 1990 p 73

[15] – Simone Berriau. Simone est comme ça. Robert Laffont. Paris 1973/ P81.

[16] – Barrat. Justuce.Op cit p.271. Robert

[17] -La Croix30 octobre 1953 aussi: Revue abolitionniste. Janvier 1955. P58

 

المصدر