أسرار نفوذ يهود مغاربة في قلب القصر الملكي

عبد العزيز كوكاس

آل بَّلاش، سومبال، بن يدَّر، روتي، بلاشا، ميمران، طوليدانو، أبناء عطار، روزاليس، بوزاكلو، آل مقنين، آل قرقوز، آل كدالة، وآل بَنْ عَلِّيل.. هم غيض من فيض سلالات يهودية وجدت نفسها في قلب بلاط المملكة الشريفة، خدام أوفياء للقصر الملكي يحتلون مناصب سامية في قلب نسيج الدولة المغربية بما يشكل الاستثناء في العالم الإسلامي، لقد تحمل بعضهم مسؤوليات جسيمة في الداخل كما في الخارج، في زمن الحرب كما في زمن السلم، بعضهم لعب دور الوسيط بين السلطان ورعيته، وآخرون كانوا سفراء للمملكة الشريفة في ملفات جد حساسة، وتبوأ اليهود المغاربة مكانة بارزة في البلاط السلطاني، الذين شكلوا جزءاً أساسيا من مكوناته.

« المشعل » تفتح ملف « اليهود المغاربة » من زاوية مغايرة، إذ اعتاد القارئ على مواضيع تقليدية مثل موقع اليهود في النسيج الاجتماعي المغربي، أو علاقة الملك الراحل الحسن الثاني بهجرة اليهود إلى إسرائيل، أو بالتعايش الذي شكل من خلاله المغرب الاستثناء الإسلامي بين الأقلية اليهودية والأغلبية المسلمة، أو بوفاء الجالية اليهودية لأصولها الوطنية…

« المشعل » تنقلكم بشكل غير مسبوق إلى « يهود البلاط » أي إلى مغاربة يهود كانوا على اتصال قوي بالسلاطين المغاربة منذ قرون، أفراد قاموا بدور طلائعي كتجار وكوسطاء بين المخزن والرعية، وبين المخزن والدول الأجنبية.. ما هي أسباب لجوء السلاطين المغاربة إلى خدمة اليهود؟ ما هي السلط التي كان يتمتع بها « يهود البلاط »؟ وما هي الوظائف والمهام التي كانوا يشغلونها؟

يقول الباحث الأمريكي دانييل شروتر: « لا يوجد في العالم الإسلامي بلد احتل فيه الوسطاء اليهود مكانة جد مهمة كما هو الشأن في المغرب »، ويؤكد كل من جيرمان عياش وحاييم زعفراني أن اليهود المغاربة كانوا دوماً متعلقين بالعرش في المملكة الشريفة.. هل لأنهم كانوا أقلية في حاجة إلى حماية السلطان؟ أم لأنهم توفروا على قدرات استثنائية وعبرها كانوا ينالون الحظوة في المملكة الشريفة؟

أسئلة وغيرها تجدونها في هذا الملف الذي تنفرد من خلاله « المشعل » في رصد عالم « يهود السلطان ». عبر نماذج من الأعلام اليهود النافذين في حظيرة القصر الملكي وبالتركيز على شخصية مقنين كما تتبع خيوطها الباحث الأمريكي دانييل شروتر المهتم بتاريخ الأقليات اليهودية في العالم الإسلامي، في كتابه الموسوم بـ « اليهود السلطان: المغرب وعالم اليهود السفرد » الذي قام بتعريبه الباحث المغربي خالد الصغير.

في منتصب الأربعينيات، وبمناسبة عيد العرش استقبل السلطان محمد الخامس وفدا عن اليهود، وحسب ما ورد في تقرير سري للاستخبارات الاستعمارية المرسلة إلى باريس، أكدت الإقامة العامة أن السلطان قال لمجالسيه من اليهود المغاربة: « أنتم من رعيتنا كالمسلمين ولهذا أحميكم وأحبكم، فكونوا على يقين من أنكم تجدون عندي دائما ما تحتاجون إليه من المساعدة، اسألوا المسنين منكم، سيخبرونكم أن جدي المجيد مولاي الحسن، كان صديقا مخلصا لليهود وأنه أظهر لهم غير ما مرة عنايته.

إن أجدادكم عرفوه بهذه الصفة وكانوا يحبونه محبة مخلصة، إنني أؤكد لكم أنني عازم على الإبقاء لكم ولإخوانكم، على نفس التقدير ونفس العناية، هذا العيد عيدنا وعيدكم ».

مباشرة بعد توليه عرش المملكة، التقى الملك محمد السادس مع ممثلي اليهود المغاربة وخاطبهم قائلا: « ليس لدى اليهود ما يثير قلقهم.. إنني عاقد العزم على مواصلة السير على طريق جدي الملك محمد الخامس ووالدي الحسن الثاني، فاليهود هم مواطنون مغاربة كاملو المواطنة وعليهم أن يشعروا بأنهم يعيشون في دولتهم ».

بين ما قاله السلطان الجد والملك الحفيد أكثر من سبعة عقود، تغير المغرب وانتقلت المملكة الشريفة من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وعمت الكون أحداث عظام غيرت من خريطة العالم، لكن موقف الملكية بالمغرب من اليهود ظل ثابتا: « اليهود مواطنون مغاربة يعيشون في دولتهم المغرب ».

عائلات يهودية في خدمة السلاطين المغاربة

إنهم تجار السلطان.. عائلات يهودية بارزة كان لها موقع تجاري متميز، واستمدت نفوذها من ثروتها وذكائها وخبرتها وتنوع مجالات نشاطها وأيضا من الحماية الشخصية التي كان يوفرها لها السلطان، فاعتبروا وكلاء رسميين لدى البلاط السلطاني، كما هو الحال مع التاجر شلومو قرقوز على عهد الخليفة محمد بن عبد الرحمان، وإلياهو ليفي الذي كان أحد أكبر الوسطاء اليهود في البلاط العلوي، تقوت مكانته بعد وفاة صاموئيل سومبال، لكن انقلاب أحوال المملكة على عهد المولى اليزيد، سيدفع السلطان لإلقاء القبض على ليفي الذي رمي به في السجن، لكنه سيعلن إسلامه ويعود من جديد كوكيل للأعمال التجارية باسم السلطان، ويورد حاييم زعفراني في كتابه « يهود الأندلس والمغرب » قائمة كبيرة ممن أسماهم بـ « الأوليغارشية » اليهودية التي ينحدر أغلب عناصرها من عائلات أرستوقراطية عريقة، أغلبهم رقي إلى مراتب سامية كبرى، وبعضهم أصبح متحكما في رؤوس الأموال وفي الأعمال التجارية الكبرى للدولة..

بعض هذه العائلات كان يتوارث المناصب والمهام والمسؤوليات داخل البلاط الملكي عبر أجيال، وشغلوا أساساً مناصب في الدبلوماسية والتجارة أمثال: عائلة روتي، بلاشا، ميمران، طوليدانو، أبناء عطار، روزاليس، سانانيس، كوركوس وليفي يلي وبن دنان وسرفاتي وبن زمير وكانسينو وإلمليح..

منذ الدولة المرابطية كان لنجباء اليهود وتجارهم الكبار موقع الحظوة في البلاط السلطاني، ويورد بن خلدون في كتابه « تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر » أسماء الكثير من العائلات التي وصلت إلى مراكز متقدمة في مراكز القرار في الإمبراطورية الشريفة، أمثال آل وقاصة، التي نجح بعض أفرادها في أن يصبح حاجبا للسلطان، مثل خليفة بن وقاصة الذي عظم نفوذه وتقوت شوكته على السلطان أبي يوسف يعقوب، وعين أفراد من عائلته في هرم الجهاز الإداري السلطاني، بينهم الوزراء والعمال، ولم يكن خليفة بن وقاصة في البداية سوى عاصر لخمر السلطان وساق له، قبل أن يتحول إلى نديم، ويصبح وعائلته آمراً ناهيا،

موسى أفلالو: خادم السلطانين المولى الحسن والمولى عبد العزيز

أحد أبرز النخبة اليهودية التي كانت مقربة من البلاط السلطاني، قدم خدمات جليلة لكل من السلطانين المولى الحسن الأول والمولى عبد العزيز، فبرغم إقامته في قلب العاصمة البريطانية نجح موسى أفلالو في إقامة علاقة قوية مع النافذين في قلب مملكة التاج البريطاني، ستسمح له بأن يصبح مفاوضا باسم السلطان على المستوى الدبلوماسي والتجاري، وكان وسيطا بارعاً بين الإمبراطور المغربي والحكومة البريطانية، التي حصل منها على ذخائر وأسلحة للحرب ومؤن تسد حاجة السوق الداخلية للمملكة الشريفة، وكان موسى أفلالو بحكم سعة إطلاعه يقوم أيضا بدور السفير المغربي والوكيل الإعلامي الذي ينقل للسلطان كل ما يقال وينشر عن المغرب والعالم الإسلامي في بلاد الفرنجة..

ويعتبر موسى أفلالو أحد مشاهير اليهود المغاربة الذين نالوا الحظوة لدى البلاط المخزني، وتكلف بمهمات جسيمة خاصة مع الإنجليز.

صاموئيل سومبال: الوكيل الدبلوماسي وكاتب السلطان سيدي محمد بن عبد الله

بزغ نجم صاموئيل سومبال في أواسط القرن 18، وقد قربه السلطان سيدي محمد بن عبد الله، لثقافته وإطلاعه الواسع، وبحكم موقعه التجاري، حتى أصبح الوكيل الدبلوماسي للسلطان المكلف بالعلاقات الخارجية، ووسيطا بين البلاط الشريف وتجارة المراسي، بل سيصبح الكاتب اليهودي الرئيسي لسيدي محمد بن عبد الله الذي اعتمد على موقع سومبال لإنشاء مدينة الصويرة عام 1764 التي نجح في تحويلها إلى أكبر مركز تجاري بالمملكة الشريفة.

قام صاموئيل سومبال باختيار عشرة من أكابر التجار اليهود منح لهم امتيازات خاصة باسم السلطان لإعمار المدينة الجديدة، تجار نافذون في الدول الأوربية ولهم شبكة من العلاقات كان يعتمد عليها السلطان في شؤون التجارة أو في علاقاته الدبلوماسية بالدول الأجنبية.

كان صاموئيل سومبال متعدد المواهب، فقد تلقى تربية فرنسية في مرسيليا بفرنسا التي أتقن لغتها وثقافتها، وكان يتميز بشخصية قوية جعلت منه مفاوضا بارعاً، كانت له اليد الطولى في بلاط السلطان عبد الله وخلفه سيدي محمد.. الذي استفاد من خدمات سومبال وقدم له الحماية اللازمة، فجمع بين مهام الوسيط التجاري والوكيل الدبلوماسي، والمترجم والكاتب الخاص في البلاط المخزني، لكن طمعه الزائد أوقعه في المحظور، بعد أن تقوى نفوذه وأصبح يفرض على الممثلين الأجانب الذين يريدون لقاء الملك، إتاوات، بل تلقى صاموئيل سومبال رشاوى من الدول الأجنبية، وهو ما وصل إلى علم السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي استشاط غضبا، فحاول سومبال الفرار في زي إسلامي إلى غينيا، لكن أعين السلطان أدركته فألقي عليه القبض ونقل إلى سجن سلا، قبل أن يعفو عنه السلطان بفضل وساطات يهودية وأيضا بسبب عدم وجود شخص يماثله في الذكاء والخبرة، فأعاد تعيينه كاتبا أول. كتب المؤرخ هوشت عن هذه الواقعة قائلا: « كثيراً ما وضعت وفاة صاموئيل سومبال السلطان في حالة من الحيرة والارتباك، لأنه افتقده كثيراً، ولم يستطع العثور على الشخص المناسب القادر على العناية بشؤونه، بالقدر نفسه من المثابرة والذكاء اللذين كان يتحلى بهما هذا اليهودي » (عن كتاب تاريخ الإمبراطور »).

وقد توفي سومبال مسموما بمدينة طنجة عام 1782.

هرون بن مشعل اليهودي المستبد الذي حول تازة إلى مملكة خاصة وانتهى بشكل مأساوي

عائلة مشعل، عائلة يهودية عريقة، اشتهرت بثرائها ونفوذها التجاري واعتمد عليها الملوك المغاربة لعقود طويلة.. ولد هرون بن مشعل بوجدة وارثا عن أسرته المجد والثروة والمكانة الاجتماعية في قلب البلاط السلطاني، كان يسكن القصور الفخمة ويتمثل بحياة السلاطين في مدينة تازة التي حول قصبته داخلها إلى حصون منيعة.. في رحلات صيده وخروجه في الساحات العامة، أحاط هرون بن مشعل نفسه بالخدم والحشم، وأدى به غروره إلى الطغيان والجبروت.. كان في البداية يعمل لفائدة السلطان لكن مع نشوء الدولة العلوية سيصبح هرون بن مشعل حاكما على منطقة تازة، كانت له ابنة اسمها زليخة.. شابة مثقفة كانت تقوم بدور المترجم في لقاء أبيها مع القناصل والدبلوماسيين الأوربيين، وكان هرون يتشبه بحياة الملوك يفرض الجزية والأتاوات، ينزع النساء من حضن أسرهن، يحضر الغواني والحسان إلى قصره، يجلس جلسة الأمراء يحتسي الماحيا في لهو وطرب، وفي الصباح يتحول إلى مستبد يجلد هذا وينتزع أرض هذا، ويخطف بنت هذه العائلة ممن لم تقو على تأدية الضرائب التي لم يعد يصل منها إلى خزينة الدولة سوى النزر القليل، وقد كانت نهايته على يد المولى رشيد الذي يقال إنه دخل متخفيا إلى قصر هرون بن مشعل وفصل رأسه عن جسده.

مقنين.. يهودي السلطان الذي يختزل تاريخ مكانة اليهود في القصر السلطاني

مايير هو الولد البكر لأبراهام كوهين الذي لقب في الحومة بمقنين نسبة للطائر العذب الصوت.. لجمال صوته، ولد بمراكش في القرن 18 بملاحها الشهير، بعد تأسيس المولى محمد بن عبد الله لمدينة الصويرة عام 1764، رحل التاجر أبراهام جاكوهين بن مقنين إلى المدينة الجديدة رفقة أبنائه الأربعة: شلومو، مسعود، دافيد ومايير.

كان ميناء الصويرة قد أصبح أحد أكبر المراكز التجارية في المغرب بحركيته الاقتصادية النشيطة، ومن هذه المدينة سيتعمق الدور اليهودي في بلاط السلاطين العلويين، الذين كلفوا تجارا يهودا كبار بتزويد خزينة المخزن بالضرائب، وبشراء الأسلحة التي يحتاج إليها القصر الملكي سواء في معارك المخزن ضد قبائل السيبة أو في صراعه ضد أطماع الدول الأجنبية.

سيبزغ اسم مايير مقنين، الذي كان يتمتع بذكاء خاص وبحس تجاري، في الربع الأخير من القرن 18، حيث سيصبح تاجراً كبيرا وممثلا للسلطان في المعاملات التجارية مع الأوربيين وذلك لنفوذه ولذكائه، ولثقة السلطان سيدي محمد بن عبد الله في وفائه، خاصة بعد أن اكتشف أن عامله على ميناء أكادير الطالب صالح بدأ يشتغل لحاسبه الخاص وباستقلال عن السلطة المركزية بل إنه تمرد على السلطان وأخذ يستأثر بالأرباح والضرائب الناجمة عن المرسى لحسابه الشخصي، لذلك سيلجأ المولى سيدي محمد بن عبد الله إلى إغلاق ميناء أكادير والتركيز على المرسى الجديد بالصويرة حيث سيبزغ نجم مايير مقنين.

من التجارة إلى السياسة

نجح مايير مقنين في ضمان وصول الأرباح التجارية إلى المخزن، وقام بدور ناجع في الوساطة بين السلطان والتجار الأجانب، الذين كان يقودهم إلى مراكش وزيارة القصر الملكي محملين بهداياهم، وكان يضمن لهم بالمقابل الحصول على امتيازات ومكاسب تجارية، فمكنه ذلك من بناء علاقات قوية في مراكز النفوذ بأوربا.

لم يكن مقنين لوحده ممثلا للطائفة اليهودية في البلاد الملكي، فقد كانت هناك لائحة عريضة ليهوديي الإمبراطور سيدي محمد بن عبد الله تضم وسطاء نافذين أمثال إلياهو ليفي، يعقوب عطال، مدد خاي دي لامار، دافيد وإسحاق لوردوزو، فرانشيسكو كيابي وصامويل سومبال… الذي عمل في بلاط المولى عبد الله وابنه سيدي محمد، ويصفه دانييل شروتر بـ « المفاوض البارع والمترجم والكاتب المتميز »، غير أن استغلاله لمنصبه ولسلطته في تلقي الرشاوى من التجار الأجانب الذين يريدون مقابلة السلطان ونزعه لممتلكات من هم أقل نفوذا، جلب عليه غضبة الملك، فاعتقل بعد محاولته الفرار إلى غينيا.

أصبح مايير مقنين أحد أشهر التجار اليهود بالصويرة، وكان عامل المدينة عمر بن الداودي يقدم له الحماية، لكن ذكاء مقنين دفعه إلى تشييد علاقة متينة مع خلفه محمد الصادق، وسيمكنه ذلك من بناء علاقات واسعة من جهة مع النخبة المخزنية على عهد المولى سليمان، ومن جهة أخرى مع التجار الأجانب في الدول الأوربية النافذة، وكان أحد أعمدة السلطان في إعادة الحياة لميناء أكادير وسيصبح ممثلا شخصيا للمولى سليمان الذي تؤرخ رسالة مخزنية صادرة عن السلطان إلى ابن أخيه وعامله على أكادير لحظوة مقنين لديه، مما جاء فيها: « حيث يرد عليك ذمي خدمتنا الشريفة ميِّر بن مقنين، نأمرك أن تنفذ له داره ينزل ويعمرها بالتجارة.. واستوصي به خيرا وميزه عن تجار اليهود هناك، لأنه ذمينا ومتاعنا ».

من مرسى أكادير ستتوطد مكانة مايير مقنين في قلب النخبة التجارية بالمغرب، داخل الأسر اليهودية النافذة في البلاط من جهة، وفي بناء علاقة متميزة مع التجار الأوربيين من جهة أخرى.. وهو ما سيؤهله للعب دور الوكيل الدبلوماسي للسلطان وأثبت نفسه كعنصر لا يمكن الاستغناء عنه في التجارة كما في حقل الدبلوماسية.

ولأن اليهود أقلية، فإن مايير مقنين بذكائه المتعدد الأبعاد كان يعرف ألا سبيل إلى فرض مكانته والحفاظ على نفوذه سوى ببناء ثروة وبناء نفوذ سياسي للحفاظ عليها..

وبرغم المرحلة العصيبة التي اجتازها المغرب بعد وفاة السلطان سيدي محمد بن عبد الله مع تعدد الراغبين في الحكم، ورغم العنف الدموي الذي جرف الكثير من النخب اليهودية على عهد المولى يزيد، فقد ظل مايير مقنين أحد التجار الأكثر نشاطا في مدينة الصويرة، وفي نهاية القرن 18 أصبح يتمتع بكامل النفوذ في قلب سلطة المخزن المركزية بين أكادير والصويرة، أضحى مايير هو الذي يتولى إدارة المعاملات التجارية لصالح السلطان، ولقب بـ « كبير مدينة الصويرة »، وقد حصل بفضل ذلك على امتيازات السلاطين وعلى تقدير كبير من الحاشية ومن الراغبين في التوسط لهم لدى السّلطان لقضاء مصالحهم.

لذلك كلفه الإمبراطور المغربي بإعادة الاعتبار لمرسى أكادير وإحياء التجارة بآسفي، ومنح بشكل استثنائي رخصة استيراد الحبوب، مقابل جلب الذخيرة إلى السلطان، ولأن المصاهرة هي باب لنعيم السلطة، وتقوية للموقع الاقتصادي والاجتماعي فقد تزوج مايير مقنين بالزوهرة بنت مايير بنِّطو أحد أكبر العائلات اليهودية نفوذاً وجاها وسلطة في القرن 18 وبداية القرن 19 بالمغرب، حيث مرت طقوس العرس في أجواء باذخة استدعي لها كبار القناصل والتجار الأوربيون وكل ذوي نفوذ، وكان الغرض لدى مايير مقنين هو تقوية مكانته لدى التجار الأوربيين للحصول على الامتيازات التفضيلية وتعزيز موقعه التجاري، الذي تقوى بالنشاط العقاري في الصويرة ومراكش، حيث سيصبح مقنين أحد أكبر المضاربين في العقار.

تعززت أواصر مقنين في قلب البلاط السلطاني وكما وصف ذلك الباحث الأمريكي دانييل شروتر « أصبح في وقت قصير الوكيل الذي لا غنى عنه للمغرب في أوربا (…) كان في وسع مقنين أن يتمتع بحرية أكبر في الحركة بأرض المغرب، مما كانت تتيحه آنئذ كثير من دول أوربا.. إن الحيز الأكبر من تجارة المغرب مع أوربا أصبح بيد مقنين..

مع انتشار الطاعون بالمملكة الشريفة، والذي سمي لخطورة مخلفاته بـ « الوباء الأكبر »، هاجر مايير مقنين المغرب في اتجاه البرتغال، حيث استقر بلشبونة معززاً أنشطته التجارية السابقة، قبل أن يستقر بإنجلترا.. لكنه لم يفقد أبدا حظوته لدى المولى سليمان، وهو في قلب لندن، فقد احتاج السلطان إلى الذخيرة والسلاح لمواجهة القبائل المتمردة ولم يكن مؤهلا للقيام بهذا الأمر سوى مايير مقنين الذي وطد نفوذه في شبكة الوكلاء والتجار الأوربيين، وهكذا سيصبح مقنين الوسيط الأول بين البلاط الملكي وأوربا.. وهنا ستنفجر فضيحة مالية في وجه مقنين جرت عليه غضب المولى سليمان، ذلك أنه وظف الأموال التي أمده بها المخزن لحسابه الخاص وأعلن خدعة إفلاسه تجاريا، استاء المولى سليمان فقبض على عامله على إقليمه الصويرة والقاضي وأمناء الجمارك وأخ مقنين شلومو، وصادر بضائع سفن إنجليزية أرسلها مايير مقنين من لندن إلى الصويرة، فساءت الأحوال بين المخزن والحكومة البريطانية التي كانت تعرف عناد الإمبراطور المغربي، حتى أن عامل طنجة محمد عبد السلام السلاوي سيرد بقوة على رسالة استعطافية للقنصل البريطاني للإفراج عن بضائع السفن الإنجليزية قائلا: « فليكن في علمكم أن مايير بن مقنين هو يَهُودِيُّنا، وأن كل الأموال التي يتاجر بها، هي لبيت مال المخزن »، لكن متاعب مايير مع السلطة المركزية لن تدوم طويلا، فقد التمس أمانا من السلطان المولى سليمان للعودة إلى المغرب، وسيعود إلى نشاطه السابق بمكانته المرموقة.. رغم بعض آثار السمعة السيئة التي غذاها الخيال الإنجليزي عن اليهودي المرابي المراوغ.

في قلب « الهايدن سكوير » سيقيم مايير مقنين تجارة ناجحة، وسيكسب قلب نخب أوربية وازنة في عالم التجارة، من الإسبان والبرتغاليين والإنجليز، هذه الروابط الاجتماعية ومكانته المرموقة في قلب البلاط المخزني بصفته تاجر السلطان المغربي يجمع بين الثروة والسلطة.. وبرغم إقامته في قلب الأسواق المالية اللندنية، ظل مقنين يستثمر أمواله بالمغرب، في الملاحة والتجارة وفي اقتناء العقارات.

كان السلاطين المغاربة يفضلون التجار اليهود ليقوموا بدور الوساطة مع أوربا بدل التجار المسيحيين، من جهة لأن التجار اليهود يظلون تحت حماية السلطان، ونفوذهم مستمد من البلاط، في حين أن التعامل مع التجار المسيحيين يؤدي مباشرة إلى المواجهة مع القوى الأجنبية التي تسعى إلى التدخل في المغرب لحماية مصالح تجارها، ومن جهته كان مايير مقنين يستفيد من تركيز التجارة الخارجية للمغرب بيد النخب اليهودية، لأنه يمتلك أقوى النفوذ وأخطر العلاقات وأكبر الشركات، باعتباره مفوضا من قبل القصر السلطاني، ويؤكد ظهير شريف صادر عن المولى سليمان إلى عامل الصويرة، هذا الوضع الاعتباري لمايير مقنين، مما جاء فيه: « نأمر وصيفنا الحاج محمد بن عبد الصادق، أن يبقي التاجر ولد مقنين على ما اعتاده منا من المراعاة والتمييز عن غيره من أهل الذمة، لقيامه بوظائف خدمتنا الشريفة واعتزازه بها، فراع فيه هذا القدر، ولا تترك أحدا يسومه خسفا ».

لم يكن مايير مقنين مقصراً من جهته، فقد ظل يحافظ على إرسال الهدايا النفيسة إلى السلطان لتجديد بيعته وتعزيز نفوذه، وظلت شركاته تتوسط لاستخلاص الديون والضرائب لفائدة بيت مال المخزن، لذلك فحتى في اللحظة التي أمر فيها المولى سليمان ببناء ملاح لتجميع اليهود، تم استثناء آل مقنين من ذلك باعتبارها من النخبة الحاكمة.

سلطة مايير ونفوذه ستجعله ممثلا دبلوماسيا للسلطان في أوربا، وهنا كان مقنين يتمتع بقدرة كبيرة على المناورة والمراوغة وصلت حد إدعائه أنه يحوز مطلق التفويض من الخليفة السلطاني، وحديثه المباشر مع الحكومة البريطانية باعتباره ممثل الإمبراطور المغربي، وهنا يروي دانييل شروتر -استنادا إلى وثائق بريطانية رسمية- واقعة طريفة، حول احتيال مايير مقنين، الذي أرسل أسدين من المغرب إلى لندن باعتبارهما هدية من السلطان المولى سليمان إلى الملك جورج الثالث، ليقف البريطانيون على حقيقة أن لا علاقة للسلطان المغربي بالأسدين الذين كانا في ملكية مايير مقنين وأخيه شلومو، ووظفا اسم الإمبراطور المغربي لإبراز حجم مكانتهما في المملكة الشريفة، وبأنه لا غنى للتاج البريطاني عن وساطة مقنين في التجارة كما في الشؤون الدبلوماسية.

وما يبرز أن مايير مقنين كان يستعمل سلطته ونفوذه لحسابه الخاص، هو إغراء الأطراف الأخرى بالامتيازات التي يمكن أن يحصلوا عليها من خلال وساطته، كما حين رغب المولى سليمان في شراء السفينة « آرثور » في أواخر عام 1808 من بريطانيا، عبر وكيله مايير مقنين الذي كتب إلى الحكومة البريطانية رسالة مما جاء فيها:

« الفرصة الحالية مواتية للغاية لتمكين الحكومة البريطانية من الحصول على أي امتياز ترغب فيه من صاحب الجلالة الإمبراطور ».. لقد كان اليهودي المغربي مايير يعرف كيف يضع الطعم في الشص.

كانت لمايير مقنين أوراق اعتماد من طرف البلاط الملكي، تفتح له مثل الكلمة السحرية « سمسم »، كل كنوز العالم الآخر، لكن ذلك لم يكن يمر بدون مخاطر، فوضع الامتياز الذي كان يتحصل للنخبة اليهودية في القصر السلطاني، كان أشبه بميثاق شرف مشترك، لذلك حين كان مايير مقنين يغش باللعب لحسابه الخاص، والتصرف في بيت مال السلطان، كان يعرض نفسه لمخاطر قد تصل إلى حد احتمال مواجهة الموت، وهذا ما حدث في أزمة السفينة « آرثور » التي صنعها الإنجليز وباعوها للمغرب عبر وساطة مايير مقنين، غير أن هذا الأخير كان قد تصرف في جزء من أموال شراء السفينة، وتزامن ذلك مع سوء الأحوال التي عرفتها تجارته، فجر عليه الغضب المخزني، وهذا ما تعكسه رسالة رسمية قاسية اللهجة إلى مايير فيها نفحة تهديدية بارزة، مما جاء فيها:

« إلى الذمي مايير مقنين الكائن باللوندريز، كيف تسمح لنفسك أيها الساقط اللئيم والتافه الحقير، أنه توجه لك الأمر من سيدنا إلى بر النصارى لدفع نصيب من المال الموجود في ذمتك لسيدنا، وكان عندك أكثر منه بكثير، فمانعت عن الامتثال لأمر سيدنا، وحتى ولو تعلق الأمر بما هو أكثر من ذلك، فالواجب عليك أن تدفع، وتطيع أمر المقام العالي، ولو اقتضى ذلك رهن نفسك، فإن سيدنا يخلصك بعد ذلك، والآن عليك أن تدفع إلى وزير النكليز ما يطلبه، إما بسعر صرف اليوم، أو بسعر الصرف أيام بناء السفينة، ولا تتخلف عن ذلك طرف عين ».

هنا.. في هذه الفترة الحالكة من العقد الثاني للقرن التاسع عشر، عاش مايير مقنين أسوء أيامه، من جهة جرَّ عليه غضب المخزن، ومن جهة أخرى طارده الدائنون الإنجليز، وبرغم رحيله إلى مرسيليا بفرنسا، طاردته لعنة التجار الإنجليز… لكن بحكم ذكائه المتقد وتمرسه السياسي، فقد عمد مايير إلى نسج علاقة مع الأمير، السلطان القادم إلى الحكم سيدي عبد الرحمان، ومع حاشيته، خاصة حين عين السلطان المولى سليمان المولى عبد الرحمان عاملا على مدينة الصويرة، حيث سيصبح مايير مقنين، الذي وصفه صاحب كتاب « يهودي السلطان » بـ: « الوكيل اليهودي الرئيس للسلطان الجديد.. وربما لم يسبق البثة في تاريخ المغرب، أن استطاع يهودي، التفرد بجمع الكثير من المهام المختلفة والمسؤوليات في قبضته ».

أصبح مايير مقنين على عهد المولى عبد الرحمان يتوفر على صلاحيات استثنائية، فهو « قنصل وسفير لدى جميع الأمم المسيحية »، والممثل المالي الرئيسي للتجارة المغربية بالخارج، وأصبح صاحب المقام العالي للسلطان، لذلك فرض على كل عمال المخزن تقديم يد المساعدة لمقنين ووضع كل ما يحتاجه رهن إشارته، وسيصبح مايير بموجب ذلك « الرجل الأكثر نفوذا » ويحتل موقع الصدارة ضمن النخبة المهيمنة في البلاط السلطاني منذ عاد إلى المغرب خاصة مع حظوته الكبرى لدى المولى عبد الرحمان، التي منحته حصانة استثنائية..

الموقع الجديد لمايير خلق له حساداً ومنافسين في إطار الأجهزة المخزنية بحكم تضارب المصالح والنفوذ، لكن ثقة السلطان ظلت تتعزز، وسلطاته تتسع لكن ماضي مايير مقنين وديونه بإنجلترا، وإصرار المولى عبد الرحمان على تعيينه سفيراً لدى الحكومة البريطانية خلق توترا دبلوماسيا منذ 1827، ليعود مايير عام 1833 إلى المغرب إلى مسقط رأسه بمراكش حيث توفي عام 1835.

المصدر